عبد الشافى محمد عبد اللطيف
210
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
عبقرية الإسلام الخالدة والباقية على الزمن . فكل أرض وصلت إليها الفتوحات الإسلامية ، انتشر فيها الإسلام واللغة العربية والثقافة الإسلامية ، وشكلت العالم الإسلامي ، ولم يتراجع الإسلام عن أية منطقة ، سوى الأندلس ، وعندما تراجع الإسلام عن الأندلس ، لأسباب ليس هنا مجال شرحها ، عوض ذلك أضعاف أضعافها في مناطق أخرى في آسيا وأفريقيا ، وبدون أية حروب أو معارك بل عن طريق الدعاة والتجار المسلمين . ثانيا : إن هذه الحركة - الفتوحات الإسلامية - الكبيرة والخطيرة لم تدرس حتى الآن دراسة شاملة من الناحية العسكرية البحتة ، مع أن المسلمين خاضوا معارك عسكرية كبيرة وحاسمة ، ضد الدولتين العالميتين في ذلك الوقت - فارس والروم - فأجنادين واليرموك على جبهة الروم ، والقادسية ونهاوند على الجبهة الفارسية ، كانت من المعارك الخطيرة في التاريخ العسكري العالمي . وكانت معارك حاسمة في التاريخ البشري بدون شك ، فالعالم الذي كان قبل تلك المعارك لم يعد هو العالم بعدها ؛ بل تغير تغيرا جذريّا في كل شيء ، بل معركة واحدة هي معركة نهاوند أزال انتصار المسلمين فيها إمبراطورية الفرس من الوجود ، وقد سمى الطبري تلك المعركة فتح الفتوح ، وقال عن الفرس بعدها : لم تقم لها قائمة ، ولم تجتمع لهم كلمة « 1 » . وكثير من القادة العسكريين المسلمين أمثال خالد بن الوليد ، وسعد بن أبي وقاص ، عمرو بن العاص ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان ، والنعمان بن مقرن . . . وغيرهم برعوا في وضع الخطط العسكرية وفي تنفيذها ببراعة هائلة ، وحققوا انتصارات مدوية ، وأظهروا مواهب عسكرية فذة ، وكان من حقهم أن يدرسوا وتدرس معاركهم وانتصاراتهم بأقلام كتاب عسكريين مسلمين ، حتى تعرف الأجيال الحاضرة والقادمة الجهود الكبيرة التي بذلها هؤلاء القادة العظام ، لتقدر جهادهم حق قدره حتى تمتلئ بالأمل ولا تفقد ثقتها في نفسها وفي أمتها ، وتؤمن بأن الأمة التي أنجبت هؤلاء القادة الأفذاذ ، لهي قادرة على إنجاب أمثالهم يردون لها اعتبارها وكرامتها التي ديست في التراب الآن من شذاذ الآفاق . ولكن للأسف الشديد فإن تاريخ هؤلاء القادة الكبار ، بل التاريخ العسكري
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 4 / 116 ) .